المقريزي
250
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الملك عن نفسها فامتنعت عليه ، فذهب ليمدّ يده إليها فقالت : إنك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك ، لأنّ لي ربا يمنعني منك . فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها ، فجفت يده وبقي حائرا . فقال لها : أزيلي عني ما قد أصابني . فقالت : على أن لا تعاود مثل ما أتيت . قال : نعم . فدعت اللّه سبحانه وتعالى فزال عنه ورجعت يده إلى حالها . فلما وثق بالصحة راودها ومناها ووعدها بالإحسان ، فامتنعت وقالت : قد عرفت ما جرى . ثم مدّ يده إليها فجفت وضربت عليه أعضاؤه وعصبه ، فاستغاث بها وأقسم بالآلهة أنها إن أزالت عنه ذلك فإنه لا يعاودها . فسألت اللّه تعالى ، فزال عنه ذلك ورجع إلى حاله فقال : إنّ لك لربا عظيما لا يضيعك ، فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت : هو قريبي وزوجي . قال : فإنه قد ذكر أنك أخته . قالت : صدق ، أنا أخته في الدين ، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا . قال : نعم الدين دينكم . ووجه إلى ابنته جوريا ، وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير ، فألقى اللّه تعالى محبة سارة في قلبها ، فكانت تعظمها وأضافتها أحسن ضيافة ، ووهبت لها جوهرا ومالا . فأتت به إبراهيم عليه السلام فقال لها : ردّيه فلا حاجة لنا به . فردّته ، وذكرت ذلك جوريا لأبيها . فعجب منهما وقال : هذا كريم من أهل بيت الطهارة ، فتحيلي في برّها بكل حيلة ، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر ، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام ، وجعلت لها سلالا من الجلود ، وجعلت فيها زاد وحلوى وقالت : يكون هذا الزاد معك ، وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليا مكللا . فقالت سارة : أشاور صاحبي . فأتت إبراهيم عليه السلام واستأذنته فقال : إذا كان مأكولا فخذيه . فقبلته منها . وخرج إبراهيم ، فلما مضى وأمعنوا في السير ، أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي ، فعرّفت إبراهيم عليه السلام ذلك ، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل ، وفرّق بعضه في وجوه البرّ ، وكان يضيف كل من مرّ به ، وعاش طيطوس إلى أو وجهت هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه ، فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرقى السفن في البحر الملح ، فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلات ، فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على المطايا ، فأحيا بلد الحجاز مدّة ، ويقال إنما حلّيت الكعبة في ذلك العصر مما أهداه ملك مصر ، وقيل أنه لكثرة ما كان يحمله طوطيس إلى الحجاز سمته العرب وجرهم الصادوق ، ويقال أنه سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك له في بلده فدعا بالبركة لمصر ، وعرّفه أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن . وطوطيس أوّل فرعون كان بمصر ، وذلك أنه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونساءه ، وكثيرا من الكهنة والحكماء ، وكان حريصا على الولد فلم يرزق